ابن قتيبة الدينوري

مقدمة التحقيق 10

المعارف

ويتجه « المأمون » إلى بيت الحكمة الَّذي أسسه أبوه « الرشيد » فيفرد فيه لكل عالم ركنا ، فتزدحم جنبات هذا البيت بالعلماء والفلاسفة والمترجمين والمؤلفين وأئمة اللغة ورجال الأدب ( 1 ) . ففي عهده بدأ أبو يوسف يعقوب الكندي ، فيلسوف العرب ، نشاطه الفكري الَّذي لم يقف عند التعريف بالفلسفة الأرسطوطاليسية والأفلاطونية عن طريق الترجمة والاقتباس ، بل عدا ذلك إلى دراسات في التاريخ الطبيعي وعلم الظواهر الجوّية . وفي عهده ترجم « الحجاج بن يوسف بن مطر » مصنفات « إقليدس » ، وكتاب بطليموس ، المعروف بالمجسطى . وفي أيامه وضع « محمد الخوارزمي » أوّل كتاب مستقل في الجبر ( 2 ) . ولم تفقد « بغداد » حظها العلمي والأدبي في الأيام الأولى من حياة « المعتصم » ( 218 ه - 227 ه ) . ولكنه ما كاد ينتقل عنها في سنة 221 ه إلى مدينته الجديدة « سرمنرأى » حتى بدأت الحياة العلمية والأدبية في « بغداد » تخبو قليلا . وبقيت على ذلك فترة امتدّت إلى أواخر أيام الخليفة « المعتمد على الله » حتى إذا ما عاد إليها سنة ( 279 ه ) دبت فيها الحياة مرة ثانية ، وعاد إليها نشاطها . مظاهر الحياة الأدبية والعلمية ببغداد : وهكذا مهّد الخلفاء لحياة زاهية ، انتعش فيها الأدب ، وانتعشت العلوم والفنون ، وشارك في هذا وذاك جم غفير زخرت بهم « بغداد » .

--> ( 1 ) الفخري لابن الطقطقي . ( 2 ) تاريخ الشعوب الإسلامية ( 2 : 39 - 41 ) .